الشيخ محمد الطاهر ابن عاشور

176

تفسير التحرير والتنوير ( تفسير ابن عاشور )

الّذين دخلوا في الإسلام إخوانا وأولياء بعضهم لبعض ، لا يصدّهم عن ذلك اختلاف أنساب ، ولا تباعد مواطن ، ولقد حاولت حكماؤهم وأولو الرأي منهم التأليف بينهم ، وإصلاح ذات بينهم ، بأفانين الدّعاية من خطابة وجاه وشعر « 1 » فلم يصلوا إلى ما ابتغوا حتّى ألّف اللّه بين قلوبهم بالإسلام فصاروا بذلك التّأليف بمنزلة الإخوان . والإخوان جمع الأخ ، مثل الإخوة ، وقيل : يختصّ الإخوان بالأخ المجازي والإخوة بالأخ الحقيقي ، وليس بصحيح قال تعالى : أَوْ بُيُوتِ إِخْوانِكُمْ [ النور : 61 ] وقال : إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ [ الحجرات : 10 ] وليس يصحّ أن يكون للمعنى المجازي صيغة خاصّة في الجمع أو المفرد وإلا لبطل كون اللّفظ مجازا وصار مشتركا ، لكن للاستعمال أن يغلّب إطلاق إحدى الصيغتين الموضوعتين لمعنى واحد فيغلّبها في المعنى المجازي والأخرى في الحقيقي . وقد امتنّ اللّه عليهم بتغيير أحوالهم من أشنع حالة إلى أحسنها : فحالة كانوا عليها هي حالة العداوة والتّفاني والتقاتل ، وحالة أصبحوا عليها وهي حالة الأخوّة ولا يدرك الفرق بين الحالتين إلا من كانوا في السّوأى فأصبحوا في الحسنى ، والنّاس إذا كانوا في حالة بؤس وضنك واعتادوها صار الشقاء دأبهم ، وذلّت له نفوسهم فلم يشعروا بما هم فيه ، ولا يتفطّنوا لوخيم عواقبه ، حتّى إذا هيّئ لهم الصّلاح ، وأخذ يتطرّق إليهم استفاقوا من شقوتهم ، وعلموا سوء حالتهم ، ولأجل هذا المعنى جمعت لهم هذه الآية في الامتنان بين ذكر الحالتين وما بينهما فقالت : إِذْ كُنْتُمْ أَعْداءً فَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِكُمْ فَأَصْبَحْتُمْ بِنِعْمَتِهِ إِخْواناً

--> العم من بطن واحد أعداء متغالبين على المواريث والسؤدد ، قال أرطأة بن سهية الذبياني من شعراء الأموية : ونحن بنو عم على ذات بيننا * زرابي فيها بغضة وتنافس ( 1 ) مثل خطاب شيوخ بني أسد لامرئ القيس حين عزم على قتالهم أخذا بثأره . ومثل توسط هرم بن سنان والحارث بن عوف . وقال زهير : وما الحرب إلا ما علمتم وذقتم . . . الأبيات . وقال النابغة : ألا يا ليتني والمرء ميت . . . الأبيات .